الشنقيطي
58
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
إن لم يتساو الكراء وتساووا في اللغة وترادوا الأكربة . وإن اشترط عمل رب الدابة فالغلة له وعليه كراؤهما . ولا يخفى أن « الشركة » باب كبير من أبواب الفقه ، وأن مسائلها مبينة باستقصاء في كتب فروع الأئمة الأربعة رضي اللّه عنهم . وقصدنا هنا أن نبين جوازها بالكتاب والسنة والإجماع . ونذكر أقسامها ومعانيها اللغوية والاصطلاحية ، واختلاف العلماء فيها . وبيان أقوالهم ، وذكر بعض فروعها تنبيها بها على غيرها ، وقد أتينا على جميع ذلك . والحمد للّه رب العالمين . قوله تعالى : إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) [ 20 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن أصحاب الكهف - أنهم قالوا إن قومهم الكفار الذين فروا منهم بدينهم إن يظهروا عليهم ، أي يطلعوا عليهم ويعرفوا مكانهم ، يرجموهم بالحجارة ، وذلك من أشنع أنواع القتل . وقيل : يرجموهم بالشتم والقذف ، أو يعيدوهم في ملتهم ، أي يردوهم إلى ملة الكفر . وهذا الذي ذكره هنا من فعل الكفار مع المسلمين - من الأذى أو الرد إلى الكفر - ذكر في مواضع أخر أنه هو فعل الكفار مع الرسل وأتباعهم ؛ كقوله جل وعلا : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [ إبراهيم : 13 ] ، وقوله تعالى : * قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ( 88 ) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الأعراف : 89 ] الآية ، وقوله تعالى : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [ البقرة : 217 ] إلى غير ذلك من الآيات . مسألة أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة ، لأن قوله عن أصحاب الكهف إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ظاهر في إكراههم على ذلك وعدم طواعيتهم ، ومع هذا قال عنهم : وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) فدل ذلك على أن ذلك الإكراه ليس بعذر . ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه مع الإكراه بالخوف من القتل ؛ لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذبابا قتلوه . ويشهد له أيضا دليل الخطاب ، أي مفهوم المخالفة في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 1 » فإنه يفهم من قوله : « تجاوز لي عن أمتي »
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الأول .